ابن كثير

33

البداية والنهاية

خراسان ، فسار إليه في سبعين من النقباء ، لا يمرون ببلد إلا سألوهم إلى أين تذهبون ؟ فيقول أبو مسلم : نريد الحج . وإذا توسم أبو مسلم من بعضهم ميلا إليهم دعاهم إلى ما هم فيه فيجيبه إلى ذلك ، فلما كان ببعض الطريق ( 1 ) جاء كتاب ثان من إبراهيم الامام إلى أبي مسلم : إني بعثت إليك براية النصر فارجع إلى خراسان وأظهر الدعوة ، وأمر قحطبة بن شبيب أن يسير بما معه من الأموال والتحف إلى إبراهيم الامام فيوافيه في الموسم ، فرجع أبو مسلم بالكتاب فدخل خراسان ( 2 ) في أول يوم من رمضان فرفع الكتاب إلى سليمان بن كثير وفيه : أن أظهر دعوتك وتتربص . فقدموا عليهم أبا مسلم الخراساني داعيا إلى بني العباس ، فبعث أبو مسلم دعاته في بلاد خراسان ، وأمير خراسان - نصر بن سيار - مشغول بقتال الكرماني ، وشيبان بن سلمة الحروري ، وقد بلغ من أمره أنه كان يسلم عليه أصحابه بالخلافة في طوائف كثيرة من الخوارج ، فظهر أمر أبي مسلم وقصده الناس من كل جانب ، فكان ممن قصده في يوم واحد أهل ستين قرية ، فأقام هناك اثنين وأربعين يوما ، ففتحت على يديه أقاليم كثيرة . ولما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان في هذه السنة ، عقد أبو مسلم اللواء الذي بعثه إليه الامام ، ويدعى الظل ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا ، وعقد الراية التي بعث بها الامام أيضا ، وتدعى السحاب ، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا ، وهما سوداوان ، وهو يتلو قوله تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) [ الحج : 39 ] ولبس أبو مسلم وسليمان بن كثير ومن أجابهم إلى هذه الدعوة ، السواد ، وصارت شعارهم ، وأوقدوا في هذه الليلة نارا عظيمة يدعون بها أهل تلك النواحي ، وكانت علامة بينهم فتجمعوا . ومعنى تسمية إحدى الرايتين بالسحاب أن السحاب كما يطبق جميع الأرض كذلك بنو العباس تطبق دعوتهم أهل الأرض ، ومعنى تسمية الأخرى بالظل أن الأرض كما أنها لا تخلو من الظل فكذلك بنو العباس لا تخلو الأرض من قائم منهم . وأقبل الناس إلى أبي مسلم من كل جانب ، وكثر جيشه . ولما كان يوم عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير ان يصلي بالناس ، ونصب له منبرا ، وأن يخالف في ذلك بني أمية ، ويعمل بالسنة ، فنودي للصلاة : الصلاة جامعة ، ولم يؤذن ولم يقم خلافا لهم ، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، وكبر ستا في الأولى قبل القراءة ، لا أربعا . وخمسا في الثانية لا ثلاثا ، خلافا لهم . وابتدأ الخطبة بالذكر والتكبير وختمها بالقراءة ، وانصرف الناس من صلاة العيد وقد أعد لهم أبو مسلم طعاما فوضعه بين أيدي الناس ، وكتب إلى نصر بن سيار كتابا بدأ فيه بنفسه ثم قال إلى نصر بن سيار . بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد فإن الله عير أقواما في كتابه فقال ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) إلى قوله ( تحويلا ) [ فاطر : 42 - 43 ] فعظم على نصر أن قدم اسمه على اسمه ، وأطال الفكر ، وقال : هذا كتاب له جواب .

--> ( 1 ) في الطبري 9 / 82 : أتاه وهو بقومس . ( انظر ابن الأثير 5 / 357 ) . ( 2 ) الطبري وابن الأثير : مرو .